إنه حشدنا نحن السنّة لا غيرنا ! , بقلم صائب خليل

إنه حشدنا نحن السنّة لا غيرنا !

2015-07-20_20-19-05

 

كتب أحدهم عاتباً على صفحة الفيسبوك عن…
“شيخ أفتاء أهل السّنة والجماعة في العراق …ثم رئيس الوقف السني في العراق كل منهما ألقى كلمة أكثر من نصف ساعة في جامع أبي حنيفة النعمان لإعلان العيد غداً الجمعة .. وقد تحدثوا في كلماتهم عن كل شيء ..هاجموا الحكومة …وذكروا خيانتها لهم وعدم تطبيق المصالحة الوطنية معهم ..وشكروا العرب وهنئوهم بالعيد السعيد ..وذكروا القدس وفلسطين ودعوا للأمة العربية بالنصرعلى أعدائها ……ولكن العجيب في الأمر أنهم لم يأتوا على ذكر الجيش العراقي والحشد الشعبي و والقتال مع الإرهاب ولو بكلمة واحدة وكأن العراق ليس عراقهم والبلد ليس بلدهم ..!!
الحشد الشعبي والجيش العراقي اللذان يخوضان معركة البقاء والوجود في هذا البلد وينزفان الدماء ويقدمان الشهداء مثل الورود من أجلهم ومن أجل إسترجاع ديارهم ومدنهم المغتصبة من قبل داعش الإرهابي الذي أذلهم وأغتصب نسائهم وعاث فساداً في مدنهم وشوارعهم وشرد عوائلهم في عرض البلاد وطولها ..لم يذكروه بكلمة واحدة أو دعاء واحد وكأن الأمر لايعنيهم وليس في بالهم أصلاً …!!
وفي النهاية تساءل بقسوة: أي أخوة لنا في الوطن مع هؤلاء ….ومع أي أناس نعيش ياترى في هذا البلد ..!!؟؟”

دعونا ننسى قسوة وطائفية السطر الأخير، ودعوني أضع نفسي بينكم هذه المرة بهويتي السنية لأطرح هذا السؤال،: ما الذي يعنيه الحشد الشعبي بالنسبة لنا نحن السنة؟
الأسئلة الجيدة تنير الطريق امام التائه في الظلام، فعندما نستطيع أن نتبين جواباً مناسباً ودقيقاً لهذا السؤال فإننا نستطيع أن نتخذ موقفاً من الحشد، ربما يكون الموقف الحاسم في مصير منطقتنا التي تحتلها داعش منذ اكثر من سنة.
هل الحشد هم لصوص وعاطلين جاءوا لسرقة الثلاجات وتفجير المحلات، أم شباب يضحون بحياتهم من أجل تحرير مدننا؟ هل جاؤوا ليحرروا المدن من داعش ليسكنوها لأنهم لا بيوت لهم، أم لإعادة أهلها إليها؟ لا يمكن للمرء أن يبقى حائراً بين هذين الجوابين دون أن يضيع تماماً.
لا أحد يعلم على وجه التحديد إن كان الحشد قد سرق شيئاً أو فجر شيئاً، فهذه التهم لم تثبت، ومدينة تكريت وقراها عادت لأهلها ولم يستوطنها “مشردو” الحشد وهذا يعني ان بإمكاننا أن نفترض أن مدن ديالى المحررة سيأتي دورها لتعاد لأهلها ولن تعطى لـ “إيران” كما يخشى البعض.. السنة الذين يقاتلون مع الحشد لم يعقدوا مؤتمراً لـ “يفضحوا” فيه اعتداءات الحشد على مدنهم وأهلهم، ولا فعل ذلك محافظ تكريت أو مجلسها، فهل سكت هؤلاء عن تلك الإعتداءات؟…أم أنها لم تكن موجودة أساساً؟

لا شيء لدينا إطلاقاً يثبت أن الحشد قام بأي عمل تخريبي متعمد، وبالمقابل فأن تحرير تكريت وإعادتها لأهلها، حقيقة لا يستطيع أحد أن ينكرها مهما كان موغلا في رعبه الطائفي وقلقه من نوايا الحشد ومن إيران. آلاف جثث الشهداء التي نقلت إلى النجف من أبطال الحشد شبانا وشيباً حقائق ثابتة بالأسماء والأرقام والصور، ولم يخترعها الإعلام…فمن أين جاء هذا الرعب من الحشد؟
نعم أن الأسئلة الجيدة تنير الطريق كما قلنا، لكنها بحاجة إلى الشجاعة للإجابة عنها بشكل صحيح. دعونا نحاول أن نكون شجعاناً لبضعة دقائق هنا.

شباب الحشد شيعة وسنة ينامون في الحر اللاهب تحت ضل سيارة عسكرية لا تغطي إلا وجوههم.. شباب الحشد يعيشون بلا رواتب وبالقليل من الطعام، ليستشهدوا بعدها في أرض الأنبار وتكريت والمدن السنية منسيين، ثم لا يذكرهم شيخ افتاء أهل السنة ولا رئيس الوقف السني في خطبهم. قارنوا بين هؤلاء وبين الشاب الذي استشهد وهو يتظاهر مع المتظاهرين المطالبين بالكهرباء في البصرة، وكيف نشرت مئات المقالات عنه وانتشرت صوره بالآلاف على صفحات الفيسبوك، فما الفرق بينه وبين هؤلاء الذين لا يذكرهم شيوخ السنة أو أهلها؟
الفرق الأساسي ربما أن هذا الشاب لم يكن يتوقع الموت حين قام بما قام به، أما من اشتشهد في الحشد فقد كان يتوقع الموت ويأتيه بإصرار وعانى الجوع والحر قبل استشهاده، أفليس جديراً بشهيد الحشد أن يكرم مثل شهيد التظاهرات وأكثر؟

وممن يجب أن يكرم شهداء الحشد أكثر، من الشيعة ام من السنة؟ أي من الجهتين يتعلق مصيرها بوجود الحشد أو عدم وجوده؟ صحيح أن الشيعة لن يسلموا من داعش إن تقدمت غداً كما برهنت كارثة سبايكر، لكن السنة هم تحت احتلال واضطهاد وسبي داعش اليوم وليس غداً! إن كان محتملا أن تحتل داعش المدن ذات الأغلبية الشيعية، فإنها تحتل اليوم كأمر واقع مدن السنة وتعيث بها فساداً، فمن هو الأجدر أن يكون معنياً بهزيمة داعش؟!

ثم دعونا نسأل: من الذي حرر أراض عراقية من داعش؟ اهو الجيش أم الفرق الذهبية وكل الذين دربتهم اميركا، أم هم الحشد الحفاة؟
الحقيقة الأكيدة التي لا يجب أن تغيب عن بال كل عراقي لم يفقد وعيه أو ضميره بعد، هي أن الحشد هو وحده المحرر! الباقي كله ضباب ومناطق مشوشة وشخوص مشبوهة وأحداث غير مفهومة واخبار لا يمكن التوثق منها. علامات الإستفهام تسيطر تماماً على المؤسسات الحكومية وكل ما لمسته أميركا بإصبعها ولو من بعيد! هناك نرى الأسئلة بلا أجوبة: لماذا يترك الجيش الموصل بلا قتال أمام عصابات؟ لماذا تركت أميركا داعش تنتقل براحتها في قوافل مكشوفة طول الطريق من سوريا إلى الأنبار ولم تقتل نفراً واحداً منها؟ لماذا انسحبت الفرقة الذهبية من الأنبار بينما كان برواري يصرخ أن لا أحد فيها ولا شيء هناك يستوجب الهرب؟ لماذا هربت شرطة الأنبار والموصل قبلها؟ علامات الإستفهام تغرق المكان فلا نرى شيئاً، ووراء كل علامة استفهام نجد اصبعاً امريكياً أو مؤسسة اسسها الأمريكان أو فرضوا عليها قياداتها.

وحين ننتقل إلى الحشد الشعبي يزول الضباب فجأة وتختفي كل الأسئلة وكل العجائب ولا تعود العصابات تنتصر على الجيوش! عندما ننتقل إلى الحشد يصبح كل شيء واضحاً ومفهوماً. وهذا الوضوح هو ما جعل ابطال الحشد مستعدين للتضحية بانفسهم، فهم رأوا نتائج تضحيات رفاقهم وأصدقائهم وأخوتهم. رأوا اراض محررة ونساء تهلهل وعيون ممتنة تغرورق بالدموع، ولذا فهم يرون بوضوح قيمة تضحيتهم ويسارعون لتقديمها بكل شهامة.

هل الحشد مخترق؟ هل يخلو من المخربين ومن السفلة؟ بلى أنه مخترق ولا يخلو من السفلة، لكن الفرق التي جهزتها أميركا يسيطر عليها السفلة حتى أعلى قمة قياداتها، وصولا إلى القائد العام للقوات المسلحة نفسه! الفرق بين المخترق وبين الفاسد حتى النخاع فارق شاسع. الأول مازال طيباً شهماً يسعى رغم بعض علة فيه أن يفعل شيئاً وينجح في ذلك ببسالة في معظم الأحيان، أما الآخر فليس سوى مصاب سيطر عليه المرض وحوله إلى شيء مشلول حيادي، إن لم يكن عدواً حقاً!

بعد أن نضع هذه الحقائق أمام أعيننا، نعيد التساؤل: ما الذي يعنيه الحشد بالنسبة إلى السنة؟ إنه يعني بكل بساطة وبلا اية تشويشات مجاملة أو تفاسير ملتبسة: “الحشد هو الأمل الوحيد والأخير للسنة لاستعادة مدنهم”!!

أهضموا هذه العبارة جيداً….من لديه اعتراض عليها فليقله! من لديه أمل بشيء آخر فليتفضل بطرحه ليسعدنا به. بمن تأمل؟ بقوات التحالف الأمريكية التي تسقط المساعدات لداعش وتقصف الحشد الذي يشتبك معها؟ والتي تقصف بيوت الناس في الموصل والأنبار على انها بيوت داعش لتأتينا كل اسبوع بخبر لا يعلم بصحته إلا الله عن قتلها لكذا داعشي؟ تلك التي تمددت داعش تحت قصفها وزادت مساحة ارضها؟ ام الجيش الذي أشرف بريمر وستيل وبقية مجرمي الولايات المتحدةعلى تأسيسه وفرضت عليه أميركا قياداته لتنتهي بتسليم المدن الواحدة تلو الأخرى؟ بمن تأملون؟ بالسعودية وقطر وتركيا التي تأسست داعش بفضل جهودها وأموالها؟ برجال العشائر الذين تدربهم أميركا وعملاؤها اليوم؟ ما الذي فعلوه حتى الآن؟ ولماذا سينجح هؤلاء المتدربين لبضعة أشهر بما فشل فيه الجيش الذي دربته اميركا 12 عاماً وصرفت عليها المليارات من أموال العراق؟

أم هي كردستان التي إن “حررت أرضاً” أو “انقذت” سلاحاً، اعتبرته من أملاكها وغنائمها علنا وصراحة؟ كردستان التي لا تفوت لحظة لئيمة لتحتل ارضاً جديدة لنا وتهجر أهلها منها علنا وتنقل ذلك صور وتقارير المنظمات الدولية؟ أم أصدقاء كردستان الذين انتخبتموهم ليحكموا مدنكم ويمثلونكم في مجلس النواب، ولم يفتح مأبون منهم فمه احتجاجاً على ما تفعله؟
من بقي؟ بمن تأملون، أعطوني أملا واحداً لاستعادة الموصل والأنبار، اخبروني ما هي خطتكم لاستعادتها؟؟ هل قاد أحد ممن أملتم به حرب تحرير كما فعل قاسم سليماني الذي تخشونه وتكرهونه لسبب لا يعلمه إلا الله؟ هل فعل الأربعة آلاف مستشار أمريكي الذين يعلم الله كم يدفع العبادي لهم وما الذي اعطاهم من سيادة على البلد، واحد من الف مما فعل قاسم سليماني وحده من أجل أرضكم؟ إذن لماذا لا يثير حفيظتكم إلا إسم قاسم سليماني؟ لماذا عندما أكتب عن نصب تمثال له أسوة بما فعلت شعوب أوروبا مع محرريها، تقوم القيامة وافقد بعض اصدقائي منكم؟

قبل ايام كان هناك منشور لأحد المصابين بوباء الرعب من إيران على الفيسبوك يعرض صورة لتظاهرة عراقية في يوم القدس، حملت فيها بين ما حملت من صور لشخصيات دينية عراقية، صورة للخميني باعتباره الشخص الذي أطلق حملة يوم القدس. هذا الموضوع الطبيعي والتافه أثار احتجاجات هائلة بين السنّة، وتمت مشاركته حتى آخر مرة رأيته فيها 138 مرة. بينما أنا كتبت عشرات المقالات عن احتلال كردستان لأراضي السنة ونفط السنة، فلم يحض افضلها بأكثر من بضعة مشاركات، فأيهما الخطر الأكبر، صورة الخميني ام احتلال استيطاني تهجيري يتم تلقينه لكردستان في إسرائيل ويشبه استيطانها في كل شيء بلا استثناء؟

أين مقياس الخطر ومنظومة الإنذار في العقل؟ هل يبقى لدى إنسان سليم المنطق، أي متسع للخوف من صورة، وهو يرى أرضه تغتصب ومدنه تحتل وأهله يهجرون ويسبون؟

بعد نشر مقالتي عن شكر سليماني بتمثال، وما أثارت من مشاعر غضب لدى بعض السنة، كنت اقود سيارتي في روتردام وأفكر بالأمر، ووقفت لكي يعبر احد الأطفال، فاشار هذا بالتحية شاكراً، رغم علمه أن الوقوف واجب على صاحب السيارة. إنك تشعر في تلك اللحظة بأن هذا الطفل يتصرف كإنسان ناضج يشعر أن عليه أن يرد لطف المقابل عليه بأن يشكره. ولم اتمالك نفسي إلا بالتساؤل: إن كان الشكر الواجب يوحي لنا بالنضج، إلا يعني هذا أن من يرفض إبداء الإمتنان حتى لمحرري أرضه، شخص يعاني من قلة النضج وينتظر من الآخرين خدمته كالأطفال الصغار؟

حتى العقلاء منا الذين يرون في الحشد الأمل الوحيد بالفعل، يصمتون. وحين نتحدث عن الشكر ونصب تمثال لقائد إيراني أو قائد للحشد، يثور حتى هؤلاء غاضبين، ويقولون بأننا ذهبنا بعيداً. إنهم يقبلون فضل سليماني ويعترفون به، لكنهم لا يريدون أن يشكروا من يقدمه لهم، وكأنه واجبه أو انهم يخشون أن يستفحل هذاعليهم إن شكروه..أو يقولون انه يفعل ما تقتضيه مصلحته هو. وأين المصلحة بالمخاطرة بالحياة وقد استشهد عدد من رفاق سليماني في المعارك؟ ولنفترض انه يفعل ذلك لمصلحة بلده المهددة، فماذا فعلنا لمصلحة بلدنا المغتصبة؟ وإن كانت مصلحتنا هنا مشتركة فماذا فعلنا لتشجيع هذا التعاون نحو المصلحة المشتركة التي تهمنا مئة مرة بقدر ما تهم إيران؟ الم يكن تشرشل الذي نصب البلجيكيون تمثاله يفعل ما تقتضيه المصلحة المشتركة، حين أسهم بتحرير بلادهم، أو أنني حين وقفت للطفل ليعبر، لم اكن اتصرف وفق مصلحتنا المشتركة، ورغم ذلك رفع يده شاكراً وداعماً لهذه المصلحة المشتركة؟ إننا نتصرف وكأن القضية ليست قضيتنا والأرض المغتصبة ليست أرضنا. هل من لوم إذن على من يقسوا علينا بالسؤال: “أي أخوة لنا في الوطن مع هؤلاء ….ومع أي أناس نعيش ياترى في هذا البلد ..!!؟؟”

حين احتلت الأنبار وهجر أهلها، وقف البعض منهم في مشهد مؤثر عرض في فيديو، يلومون أحد ساستهم أنهم هم السبب في الكارثة وان الناس قالت لهم ليأت الحشد فأصروا على الإمتناع! لكن أين الإصرار على إعادة الحشد وتشجيعه؟ أين التطوع له الذي يجب أن لا يبقي قادراً على حمل السلاح إلا وكان تحت ظله؟ هل “اللوم” هو رد الفعل الطبيعي لهذه الجريمة الكبرى والخيانة العظمى من هؤلاء الساسة الأرذال، أم أنها تستحق أن يمزق القائم بها إرباً؟! ألا نشجع بهذا الموقف المائع هذه الذئاب لكي تنهشنا المرة تلو المرة؟

أصحوا يا أهلنا السنة من هذا الخدر في الرفض والقبول والشلل في تحديد الموقف وهذا الخلل المخيف في التقييم والقياس. افيقوا من هذا الرعب العجيب من الصور واللاابالية أمام الذئاب. الموقف السوي ليس فقط أن لا ترتعبوا من الحشد ومن قائد إيراني، بل ان تحتضنوهم مثلما يجدر بالإنسان السليم أن يحتضن أمله الوحيد في الحياة واستعادة الأرض والمدينة التي عاش فيها حياته، فانظروا كم انتم بعيدين عن الموقف السليم. هذا الحشد إن كان مهماً للشيعة، فهو بالنسبة لنا أملنا، بل أملنا الوحيد، وبالتالي فهو يعود لنا أكثر مما يعود إلى الشيعة وإيران. وحتى لو كان كل منتسبيه من الشيعة وكل قادته من إيران فإنه حشدنا نحن دون غيرنا لأن انتصاره وهزيمته تحدد مصير ارضنا ومدننا نحن دون غيرنا! ولذلك فنحن دون غيرنا من يتوجب عليه يحميه ويفديه وأن يقبل الأرض تحت أقدام شهدائه! هذه هي الحقيقة مهما حاول المندسون والمرعوبون تشويهها وتضييع معالمها، وعلى أساسها يجب أن يكون موقفنا.
إنه حشدنا نحن السنة قبل غيرنا.. إنتصاره انتصارنا وضياعه ضياعنا وإدمة تشردنا، والمتآمرين عليه يتآمرون علينا وعلى مدننا ومستقبل أطفالنا!

صائب خليل
20 تموز 2015

نبذة عن -

التعليقات مغلقة.