إعادة الانتخابات هو الحل الوحيد والباقي مسرحيات بقلم صائب خليل

إعادة الانتخابات هو الحل الوحيد والباقي مسرحيات

فهرس

الاعتصام البرلماني المفاجئ، ليس سوى استمرار للوضع غير الطبيعي والمختل المقاييس في العراق. فالنواب مبدئياً، لا يمكن ان “يغضبوا” بشكل شديد، إلا إذا كانوا معدودين متفرقين عاجزين على ان يفعلوا شيء. لأن البرلماني يستطيع ان يفعل الكثير باستخدام صلاحياته القانونية ويوقف الفساد قبل ان يستفحل، اما هؤلاء المحتالين فهم لا يريدون استخدام صلاحياتهم، لكن يريدون ان يستعرضوا أمام الناس أنهم “ثوار” وغاضبين، والكثير منهم ذوي ماض مشبوه تماما مثل مشعان الجبوري الذي وضع نفسه قيادياً للثورة!

هل هم غاضبون حقا بهذه الشدة على الفساد؟ دعونا نرى.. كم منهم صوت على ملفات الفساد السابقة؟ كم منهم قام بتحقيق فيها وقدمها للبرلمان؟ كم منهم غضب حين ابقى البرلمان ذلك الفساد كما هو؟ لنأخذ حالة من الماضي القريب جداً، كم منهم صوت ضد وزير الدفاع الذي هو حالة مثالية ومكشوفة عن فساد خطير للغاية وموثق؟ كل من لم يفعل ذلك إذن فاسد ومحتال مزيف الغضب! فمن لا يغضب على الفساد المحدد الخطير الذي يهدد بلده، لن يغضب لفساد عام هلامي عن “الكتل” و “الشلع قلع”..

نقطة الاحتيال الأخرى هي هذا الغضب “الشديد” المضحك للنواب ضد رؤساء كتلهم! وكأن هؤلاء السفلة لم يصلوا إلى موقعهم بتملقهم لرؤساء الكتل ومشاركتهم الفساد والاستفادة منها.
وفوق ذلك كله فالنواب يطرحون، حسب تصريحات البعض منهم الذي يبدو عليه الغضب الشديد، المطالبة بـ “حكومة تكنوقراط” و “من خارج الكتل”! وهذا يكفي برأيي للحكم على الحركة أما بالاحتيال أو الحماقة الشديدة. فنحن نستطيع ان نفهم تظاهر رجل الشارع للمطالبة بأشياء غير مفهومة او غير ممكنة، اما النائب فيفترض أنه يستطيع ان يرى إن كان هناك طريق إلى تلك المطالب وإلى أين يؤدي هذا الطريق بالضبط.
“التكنوقراط” كلمة مراوغة لا يستعملها إلا المحتالون ومن لا يدري عما يتكلم. ففي الوقت الذي نستطيع أن نميز شخص في كتلة ما عن آخر ليس في الكتلة، او شخص له شعر من آخر أقرع، فلا شيء يمكن ان يميز “التكنوقراط” من غيره. وإن قلتم ان يكون صاحب شهادة عليا، فأن أسوأ المحتالين اللصوص في حكومة العبادي وما قبله، كانوا من حملة الدكتوراه!
لذا ارجو أن تكون هذه النقطة واضحة لديكم وان شعار التكنوقراط شعار فارغ لا يرفعه إلا محتال أو جاهل. لذلك، ورغم وجود عدد من النواب الجيدين بينهم، فالحركة بشكل عام مشبوهة ومشكوك بإدارتها.

المطلب الآخر الفارغ هو “إلغاء المحاصصة”! ماذا يعني هذا حقاً؟ كيف نتأكد أن الحكومة خالية من “المحاصصة”؟ الطريقة الوحيدة هي أن يكون كل أعضاءها من كتلة واحدة، بل لنقل من حزب واحد في الكتلة! فهل هذا معقول؟ وكيف تشارك بقية الكتل والأحزاب في تحمل مسؤولية تشكيل الحكومة دون ان يكون لهم وزراء فيها؟ هل سنسميهم معارضة أم حكومة؟

المطلب الآخر الأكثر سخفاً، هو ان يكون الوزراء “مستقلون”! ببساطة لأن هذا لا يعطينا اية معلومات عنهم! لا من ناحية أمانتهم ولا من ناحية معرفتهم وخبرتهم وأكثر من ذلك فلن يكون لدينا أية فكرة عن موقفهم السياسي! يعني كأننا نقول: اعطونا مرشحين لا نعرف عنهم شيئاً!!
وكون الشخص “مستقل” لا يعني أنه لا موقف سياسي لديه. إنه يعني فقط أنه لم يعلنه ولم ينتم لحزب يمثله! وفوق ذلك، حتى إن لم يكن له موقف سياسي ولم يكن له علاقة بحزب، فهو يستطيع تماماً، ان يكون من تحت الطاولة، اما قبل او بعد الحصول على المنصب، تلك العلاقة، ويرتبط بشكل غير علني بحزب او كتلة معينة لا أحد يعلم من هي!
وفي هذه الحالة يخسر الشعب خسارتين: الأولى أن الوزير الجديد قد ارتبط فعلا بكتلة وستدافع عن فساده مثل الوزراء السابقين، والثانية وهي الأخطر، هي أن الكتلة غير معروفة وستبقى غير معروفة لفترة طويلة، ولن يمكن محاسبتها. وحتى بعد ان تكشف وحتى بعد أن يزاح الفاسد الجديد بعد عمر طويل، فأن الكتلة تستطيع أن تنكر مسؤوليتها عنه، فهي لم تنتخبه أو ترشحه، وإنما “أنتم اخترتموه”. و “أنتم” لا تعلمون شيئا في الحقيقة، وعلى الأكثر لم تسمعوا حتى باسمه، ولم يقدم لكم أي وعد تحاسبونه عليه ولا كشف لكم خططه “لخدمة الوطن”.. لا شيء على الإطلاق! إذا كان الغضب من حقكم على لصوص اليوم، فحتى الغضب لن يكون من حقكم أمام لصوص “التكنوقراط المستقلين”.

أين الحل إذن؟

قبل ان نقول “أين الحل؟” علينا ان نقول “أين المشكلة؟” وهذا السؤال ليس صعباً. المشكلة هي ان الشعب تخلى عن واجبه في اختيار قيادة بلده بشكل أمين ودقيق وفشل ببذل الجهد المطلوب لإنجاز المهمة! والمشكلة هي أن الشعب ترك لمشاعره البسيطة أن تحدد ما يختار ومن يختار، من مشاعر طائفية إلى عشائرية إلى غيرها. الشعب لم يسأل عن خطة النائب المنتخب وخطة الكتلة المنتخبة. وطبعا هو لم يسألها عن وعود محددة، ولم يراقب النائب المنتخب إن كان يعمل على ما وعد به. الشعب رضي حتى أن يقوم نوابه بالتصويت بشكل سري عليه لا يعلم عنه شيئاً! فكيف سيعرف إن كان النائب يصوت حسبما وعد به أم العكس؟ كيف سيسلط الشعب ضغطه على النائب ليحقق مصالحه (الشعب)، إن لم يكن هذا الشعب يعرف ما يصوت له النائب؟
بالمقابل هناك من يعرف جيداً ما يصوت عليه النائب، ويستطيع ان يسلط ضغطه عليه لتحقيق مصالحه. هناك الحزب الذي قد يتناقض في مصالحه المباشرة مع مصلحة الوطن، وهناك مصلحة النائب الشخصية التي قد تتناقض أيضاً بعض الأحيان مع مصلحة الوطن، وهناك السفارة التي تتناقض دائما تقريبا مع مصلحة الوطن وتستطيع أن تسلط أشد الضغوط لتمرير مصالحها!

إذن من هو المذنب هنا على ضياع مصالح المواطن؟ اليس المواطن نفسه بالدرجة الأولى، والذي ترك النائب والسياسي تحت ضغوط منافسة دون ان يؤدي واجبه تجاه مصالحه؟ هذه هي المشكلة إذن، ويمكننا الآن أن ننتقل للسؤال عن الحل.

الحل يأتي من فهم المشكلة ومواجهتها، وبالتالي فهو أن يقرر المواطن أن يراقب وينتخب ويغير، أي ان يقرر أن “يحكم” وليس أن يترك الأمر للآخرين ليحكموه.
ما العمل الآن؟

الشيء الوحيد الممكن هو بإعادة الانتخابات والبدء من جديد، ووضع الثقة بمن يراهم يستحقونها لمواقفهم السابقة ولبرنامجهم المناسب للوطن كما يراه وليس لانتمائهم المذهبي او غيره، وليتحمل مسؤولية اختياره وقراره بنفسه، لا ان يضع ثقته عن “عمى” ثم يبدأ بالولولة عن “خيانة” النائب له. لنقرر نهائياً أنها مسرحيات خادعة وسخيفة: لا “تكنوقراط” ولا “مستقلين” ولا “شلع قلع” ثم لا يدري ما “يزرع” مكان ما شلعه وقلعه، فيترك لغيره ان يقرره له!
يجب ان نقرر أن نرفض أن نكون المواطن المحكوم السلبي الذي يتباكى مرة ويهيج مرة، ويلعب بمشاعره المحتالون ليخضع بعدها في كل مرة! الخيار الوحيد الصحيح هو “إعادة الانتخابات” واستلام مسؤولية الاختيار والتغيير كـ “مواطن حاكم”، يريد ان يستلم مسؤولية حكم بلده!

صائب خليل
13 نيسان 2016

نبذة عن -

التعليقات مغلقة.