لماذا تخلوا عن الإصلاح ولماذا سليم الجبوري خطر على العراق؟ بقلم صائب خليل

لماذا تخلوا عن الإصلاح ولماذا سليم الجبوري خطر على العراق؟

2015-12-19_20-45-19

 

 

الدعم المفاجئ وغير المسبوق من قبل جهات غير متوقعة لبقاء سليم الجبوري رئيسا لمجلس النواب العراقي أثار الدهشة بين الجميع بل والصدمة ايضاً، وخاصة من جماهير كتل كانت تدعي دعم “الإصلاحات” وإلغاء ما يسمى بالمحاصصة والفساد وكذلك تغيير الحكومة كلها بحكومة “تكنوقراط”، وهتفوا الويل الويل لمن يرفض التغيير!
ولكن ما إن بدأت “الإصلاحات” بطلب تغيير الرئاسات الثلاثة حتى زمجر الكل بوجه الشعب والنواب المعتصمين، وقلبوا لهم “ظهر المجن” كما يقولون وتسابق ممثلو الكتل “الثورية” إلى التخلي عن الإصلاحات وإبداء الدعم للدكتور سليم الجبوري، فما هو السر العجيب في حماية الجبوري بكل هذه الرعاية والغيرة؟ وما هو السر في هذا الانقلاب على الإصلاح؟ تساءل طالب الكعبي بحق: كيف يتظاهر جمهور التيار الصدري على ابواب الوزرات ويطالبون الوزراء بتقديم الاستقالة، وزعيمهم متشبث برئيس الوزراء (ورئيس البرلمان)!!

أميركا وإيران أيضا!

الملفت للنظر أيضاً ان الجبوري لم يستح ان يعلن أن السفارة الأمريكية تقف معه حين هب سفيرها اليه مع ممثل التحالف الدولي. والأكثر غرابة ان إيران شاركت بسفيرها في هذا الموقف الغريب! وإن كانت السفارة مفهومة الموقف بعض الشيء، فإيران لم تكن كذلك. وهنا يجب ان اشير أنه منذ استلم روحاني السلطة فإني فقدت ثقتي بحكومة إيران نهائياً، فحكومات البازار حكومات لا أخلاقية تبيع وتشتري أينما كانت، وتصوري أن إيران اليوم في صراع بين سلطة البازار وسلطة الخامنئي، وهذا ما يعطيها تصرفاتها التي تبدو متقلبة وغير مفهومة، وغير مؤتمنة بالتأكيد، خاصة بعد الاتفاق النووي، الذي لا استبعد ابداً أن يكون جزء سري منه التفاهم حول العراق.

قلت في مقالة سابقة لي بعنوان “الصدر واليد الأمريكية المحركة” (1) (بما معناه): “عندما يتصرف شخص بشكل مناف لشخصيته ومصلحته، أبحت عن الضغط الذي سلط عليه”. ولكن من يستطيع ان يسلط مثل هذا الضغط الهائل الذي يجعل كبار الكتل السياسية العراقية تتراقص كالبهلوانات؟

أي “إصلاح” يريد الكبار؟

“الكبار” وحدهم يستطيعون ذلك! لكن لماذا قرر “الكبار” فجأة أن يهاجموا الإصلاح؟ وإن كان هؤلاء دمى بيد الكبار، فهل كان الكبار مع “الإصلاح” ثم انقلبوا عليه فانقلبت الدمى؟ ومن هم هؤلاء الكبار؟
تذكرني العبارة بمقالتي السابقة “وصول الكبار يعلن الفصل الأخير من مسرحية الإصلاحات”(2) والتي تتحدث عن زيارة وفد عالمي “رفيع المستوى” لمجلس النواب العراقي قبل حوالي ثلاث أسابيع وسبقها إطلاق سراح الدايني، وعمليات إرهابية هزت البلاد. وكان الوفد يضم عددا كبيرا من الشخصيات “المخيفة” وعلى رأسها بان كي مون رئيس الأمم المتحدة ورئيس البنك الدولي ورئيس البنك الإسلامي، ولواحقهم. وفي وقتها درست خطاباتهم وكتبت عنها مقالتي أعلاه.

رئيس البنك الدولي الضبع الذي يتجول في العالم بحثا عن ضحية فقدت قدرتها على السير لكي يجهز عليها بقروضه المشروطة بالسم القاتل، تحدث عن “الإصلاح” و”الخصخصة” و “القطاع الخاص” بعبارات صريحة وأخرى مراوغة، لكن الجميع يعرف أن هذا ما يريد رئيس هذه العصابة نشره في أي بلد من ضحاياه. وفي الكثير من البلدان، إبتداءاً من اميركا الجنوبية وحتى دول شرق أوروبا الاشتراكية سابقاً، وبضمنها روسيا، تم في اللحظة المناسبة اختيار فريق من “التكنوقراط” المالي لإدارة عملية النهب بأسرع طريقة ممكنة وبأقل ضوضاء ممكنة، ليغرق الشعب في فقر لا مخرج منه ويطمر في نسيان العالم كشعب من المعدمين والعصابات.
إقرأوا كتاب “العولمة ومساوئها” لرئيس البنك الدولي السابق “ستكلتز” وكيف ان سياسة البنك تتعمد خططاً اقتصاديا تعلم أنها ستدمر اقتصاد الدول المدينة للبنك. كما كشف “القاتل الاقتصادي” تآمر القوى المالية على العالم الثالث بقروض تجعله في قبضتهم. وقد وفر كل من مؤامرة تخفيض أسعار النفط التي قادتها السعودية وشاركها العراق، إضافة إلى داعش والدمار الذي قامت به، “الحاجة” للقروض التي يأمل منها هؤلاء تكبيل البلاد بشروطهم.

مثل هذه “الإصلاحات” التي تدعو للقطاع الخاص والقروض، هي المقصودة إذن وهي المرحب بها. وعندما نغير بعض الوزراء، مثل تغيير الجعفري بعميل اميركا المعروف فالح الفياض، أو يؤتى بكردي لوزارة النفط، لم يسمع به أحد حتى أعتق مخضرمي النفط في العراق، ليحل محل عادل عبد المهدي المتلكئ في إعادة ملف النفط إلى ما قبل ثورة تموز، فإن هذه “الإصلاحات” و “التغييرات” كانت مرحب بها، ولم تفتح السفارة فمها باعتراض.

لكن الأمر تغير حين طالت التغييرات المطلوبة الرؤوس الثلاثة المنصوبة على العراق والحكومة ومجلس النواب وانقلب الإصلاحيون المتحمسون إلى أشد الموالين للرؤساء والكتل والمشاركة. ويمكننا أن نفهم ثورة السفارة دفاعاً عن عميلها العبادي الذي نصبته وكلفته بتمزيق البلاد، ودفاعها عن رئيس البلاد الذي قاد المؤامرة التي نصبت العبادي، لكن ما سر تشبثها برئيس مجلس النواب؟

ما سر د. سليم الجبوري، ولماذا هم شديدي الحرص عليه؟

خطبة د. سليم الجبوري، تكشف لنا من اين اكتسب الرجل أهميته ليحمى بكل هذه القوة. ولكن قبل ان نناقشها دعونا نلاحظ أن رئيس البنك الدولي قد طالب بصلافة متناهية بـ “المزيد من الصلاحيات للحكومات المحلية”!! وتساءلت وقتها: “وما شأن البنك الدولي بتوزيع الأدوار بين الحكومات المحلية والاتحادية؟ كيف يفسر هذا التدخل الصلف في شؤون البلد؟” واستنتجت ان الجماعة قد اعتبروا البلد “مستوي” لتنفيذ مشاريع التقسيم وأن عبارة “الحكومات المحلية” في خطاب رئيس البنك هي مفتاح سر كل شيء.
والآن بعد ان عرفنا رغبة البنك الدولي بدعم “الحكومات المحلية” وزيادة صلاحياتها على حساب المركز، دعونا ننظر إلى خطاب الدكتور سليم الجبوري(3) لضيوفه “الكبار” في ضوء هذه الملاحظة، وأرجو أن تركزوا معي على العبارات التي وضعتها بين الأقواس المزدوجة من هذه المقتطفات من خطاب د. سليم الجبوري:

مقتطفات من خطاب الجبوري

“…. وبالأخص ((أهمية الاعتماد على طاقات المجتمعات المحلية)) في تلك المناطق….. فمن أهم مقومات تنفيذ الاستراتيجية الجديدة هو ((بناء حكومات شاملة لجميع مكونات الشعب))، وبمشاركة سياسية حقيقية في قرار السلم والحرب، و((تمكين مجتمعات وحكومات محلية)) قادرة على توفير الخدمات وحفظ الامن و((الاستقرار المحلي))، وتوفير فرص عمل و((اقتصاد محلي)) ……الاستراتيجية العسكرية يجب ان تعتمد على وتستثمر في ((الطاقات البشرية المحلية)) الهائلة و((النسيج العشائري)) الذي لازال يمثل أسس ترابط نسيج اجتماعي مهم في مختلف مناطق العراق ….. الاستراتيجية السياسية والتي تعتمد فكرة ضرورة تبني الحكومة والبرلمان لعملية المصالحة المجتمعية كأساس للمصالحة الوطنية، و((تبني الحكومة لفكرة اللامركزية)) و((إعادة هيكلة الصلاحيات والمسؤوليات)) والبدء بنقلها الى ((الحكومات المحلية)) …… نأمل ان يكون للعراق، وخصوصاً من خلال العمل المباشر مع ((الحكومات المحلية))، حصة مهمة من هذه التخصيصات والبرامج ……. لتكن تلك المناطق المحررة حديثا ((باكورة استراتيجية وطنية لتفعيل اللامركزية)) وتمكين ((المحافظات والحكومات المحلية)) من إدارة شؤون ((مجتمعاتها)).. …. تحقيق الامن والاستقرار والتنمية المستدامة من خلال العمل المباشر مع ((المجتمعات المحلية)) متضمنة كافة مكوناتها العرقية والطائفية والاثنية والدينية….”

خاتمة: هل انتبهتم؟

هل لاحظتم أن كل خطاب هذا الرجل كان تكراراً ببغائياً لعبارة رئيس البنك الدولي حين طالب بـ “المزيد من الصلاحيات للحكومات المحلية”؟ هذا هو السر، والجبوري ليس وحده في هذه المهمة. فمن كتب خطاب سليم الجبوري هو نفس من كتب خطابات المشبوه أثيل النجيفي. فمثلما حشيت خطابات أثيل بعبارات مسمومة بالطائفية لتعويد الأذن العراقية عليها مثل “المجتمع السني” و “الوعي السني” و “كيان سني جديد في الشرق الأوسط”، حشى نفس الكاتب خطاب رئيس البرلمان بفحيح افاعي الـ “حكومات محلية” “مجتمعات محلية” و “اللامركزية” و “استقرار محلي” و “اقتصاد محلي” و”طاقات بشرية محلية”، النسيج العشائري” وكلها صدى لعبارة رئيس البنك الدولي وترديدا لإرادته وإرادة من يقف وراءه.

معروف أن الجواسيس يكتشفون أنفسهم أكثر شيء في مرحلة الصدام عندما يضطرون إلى التحرك نحو ما هم مكلفون به، فيكشفون ويستأصل خطرهم وينالون جزاءهم العادل. وهاهو ذليل الملك عبد الله هذا يكشف نفسه ومهمته في خطابه، مثلما كشف هذا الدفاع المستميت عنه، أهمية دوره لهذه العصابة. فهل يتمكن الوطن أن يدافع عن نفسه بدفن هذا المسخ وأمثاله في مزبلة من مزابله قبل ان ينفذ مع بقية الحثالة مهمتهم المكشوفة لتقطيع الوطن؟

__________________________

صائب خليل
19 نيسان 2016

(1) صائب خليل – الصدر واليد الأمريكية المحركة

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/1074953392561729:0
(2) صائب خليل – وصول الكبار يعلن الفصل الأخير من مسرحية الإصلاحات صائب…
https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/1058104514246617:0
(3) نص كلمة السيد رئيس مجلس النواب العراقي خلال استضافة الامين العام للأمم المتحدة
http://www.sotaliraq.com/newsitem.php?id=324314#axzz446hVY2GV

نبذة عن -

التعليقات مغلقة.