قانون جاستا الأميركي ضد السعودية، ما الذي يعنيه بالنسبة لنا وللعالم؟ بقلم صائب خليل

قانون جاستا الأميركي ضد السعودية، ما الذي يعنيه بالنسبة لنا وللعالم؟

2016-10-09_17-37-21

هل يجب ان نفرح ام نحزن تجاه قرار الكونغرس بالسماح لذوي ضحايا 11 سبتمبر بمحاكمة السعودية والمطالبة بتعويضات لضحاياهم؟ البعض في العراق، وبالتأكيد في سوريا واليمن، سارع للاحتفال بهذه الضربة القاصمة لعدوهم الأكثر كراهية في العالم.. ولا شك ان أي ضربة لوكر الأذى الأمريكي على البشرية ستسعد الجميع، ولكن هذه الحالة بالذات تستدعي التأني والتفكير قبل الاحتفال.

قرار مجلس النواب الأمريكي بالتصويت بإسقاط فيتو أوباما على القانون بنسبة 348 مقابل 77، بعد ساعات من تصويت مجلس الشيوخ بـ 97 مقابل صوت واحد، يعني بأن مشروع قرار “الاقتصاص من داعمي الإرهاب” (جستا) سوف يقر كقانون. ويتضمن القانون إمكانية رفع الحصانة التي تتمتع بها الدول للتمهيد للمحاكمة، عندما يتعلق الأمر بـ “الإرهاب”. وقد حصلت عوائل الضحايا الـ 3 آلاف، حتى الآن على 7 مليارات دولار، أي بمعدل أكثر من مليوني دولار للضحية الواحدة، لكن مشروع القانون يهدف إلى معاقبة الدول التي تدعم الإرهاب على الأرض الأمريكية. وقد سعت حكومة السعودية ودفعت أموالا طائلة لمنع إقرار القانون دون جدوى.(1)

ولا تبدو الإدارة الأمريكية على خلاف حقيقي مع الكونغرس كما يتم تصويره للضرورات “الشعرية”. فرغم ان أوباما حاول من الناحية الرسمية منع القرار بالفيتو، لكن لدى الكونغرس الفرص لمنع فيتو الرئيس بالتصويت بأغلبية الثلثين، وهو ما حدث. ويشعر البعض أن أوباما لم يكن جادا في سعيه لمنع القانون ولم يقم بالاتصالات المعتادة في مثل هذه الحالة. فتحت عنوان ” هل بذل أوباما جهوداً كافية لمنع “جاستا”؟ كتبت “العربية” ان أوباما لم يتصل حتى برئيس الأقلية الديمقراطية ليقنعها بموقفه. فالقرار أمريكي إذن بجميع أطراف الطيف السياسي الأمريكي.

لقد أعاد هذا القرار المثير، لذاكرتي حادثة مرت بدون تركيز كاف من الإعلام في 13 سبتمبر 2001 أي بعد يومين فقط من عملية 11 سبتمبر. ففي ذلك الوقت كانت أجواء الولايات المتحدة مقفلة تماماً وفي اقصى انذار، حتى ان بوش الأب منع من الطيران واضطر إلى العودة لبيته من ولاية أخرى بالسيارة! ورغم ذلك فأن سرباً من الطائرات الأمريكية غادرت الولايات المتحدة! وماذا كانت تحمل؟ حوالي 140 سعودياً بينهم أكثر من عشرين شخص من عائلة بن لادن نفسها! وحينها برر أحد المسؤولين الأمر بأنهم متأكدون من براءة هؤلاء! واغرب ما في الأمر وجود شخصية معروفة بعلاقاتها مع القاعدة هي الأمير احمد سلمان بينهم (2)

الملفت للنظر ان الإدارة الأمريكية لم تحاول ان تحقق مع هؤلاء او حتى ان تطرح عليهم بعض الأسئلة من اجل الحصول على المعلومات ودرءاً للأخطار الأخرى التي تتظاهر بالخوف الشديد منها! والحقيقة هي ان كل المؤشرات اللاحقة تبين أن الإدارة الامريكية لم تكن تهتم بالبحث عن اية معلومات وبدت وكأنها تعرف كل شيء. كما انها لم تكن تهتم بـ بن لادن وقد تركته يفلت “عن طريق الخطأ” من كهوف تورابورا كما يقول تقرير برلماني امريكي.(3) وقبلها كان بوش قد رفض عرضا من طالبان لتسليم بن لادن(4) كما تلكأ البيت الأبيض عدة مرات في الاستجابة لعرض لطالبان بتوفير الفرصة لقتله عن طريق القصف، حتى ان طالبان سخرت من المفاوض قائلة بأنه إن لم تكن الحكومة الأمريكية تملك ثمن وقود الصواريخ فانهم مستعدين لدفعه! (5)

هذه وغيرها كثير جدا من الأدلة اثبتت بأن 11 سبتمبر هي جريمة داخلية (أو إسرائيلية) لا علاقة لبن لادن بها. ولكن حتى لو افترضنا ان حكومة بوش او إسرائيل لم تكن من قام بترتيب 11 سبتمبر، فإن من الجنون ان نعتبر أن الحكومة السعودية يمكن ان تقوم او حتى تساهم بمثل هذه الجريمة بمبادرة منها، وعلى الأرض الأمريكية! فاختصاصها محدد بالجرائم التي تكلفها بها اميركا لضرب العرب. فكيف بدولة يتم تبديل ملوكها من قبل السي آي أي ولا تستطيع ان تعين شرطيا إلا باستشارتها، ان تتجرأ على ضرب اسيادها؟

إضافة لكل ذلك فقد باعت الحكومات الأمريكية أسلحة للسعودية بألاف المليارات من الدولارات، وكانت الأولى في العالم في شراء الأسلحة الأمريكية للفترة من 2011 – 2015 (تأتي بعدها الإمارات)، فهل كانوا يبيعون كل تلك الأسلحة لحكومة تدعم الإرهاب؟

إن ارسال الـ 140 مسؤولاً سعودياً الى بلادهم بعد يومين من 11 سبتمبر وباستثناء من حظر للطيران يشمل اعلى المستويات، يعني على الأقل اعتراف صريح وعلى اعلى المستويات، بأن السعودية لا علاقة لها بالموضوع. وعلى اية حال فإن تقرير لجنة التحقيق في حادثة 11 سبتمبر اكدت أنه لا حكومة المملكة العربية السعودية ولا المسؤولين السعوديين قد دعم الإرهابيين. (6)

لذلك كله يبدو القانون موجها في شكله الأولي نحو ابتزاز المملكة العربية السعودية واستثماراتها الهائلة في اميركا، وأنه خطوة كبيرة إلى الأمام في ابتزازات الولايات المتحدة التي لا نهاية لها. والحقيقة ان ابتزاز الولايات المتحدة للعالم منطلق منذ نشأتها وتنامي قوتها. وقد حد منه ظهور السوفييت وإحساس الأمريكان بخطر لجوء الشعوب إلى الشيوعية لنصف قرن تقريبا، ولما سقط السوفييت لم يعد لهذا التحديد مبرر، وتصاعد ابتزازها للعالم بشكل واضح وخاصة منذ بدء قصة “الحرب على الإرهاب”. ولنلاحظ ان الجهات الأمريكية كانت قبل هذا القانون قادرة على محاسبة (أي ابتزاز) الدول التي تدرجها اميركا في قائمة الدول الراعية للإرهاب مثل إيران. أما هذا القانون الجديد فيرفع ذلك الشرط، ويصبح بالإمكان محاكمة ومحاسبة اية دولة كانت، أي حتى الدول التي لا تعتبرها اميركا “راعية للإرهاب”، بل وحتى ما تسمى “الصديقة”!

ما الذي تستطيعه السعودية من رد؟ من الناحية النظرية يمكن للسعودية تجميد الاتصالات الرسمية وسحب عشرات المليارات من الدولارات من الاقتصاد الأميركي وإقناع دول مجلس التعاون الخليجي بالحذو حذوها وتجميد التعاون في مجال مكافحة الإرهاب والتعاون الاقتصادي والاستثمار والسماح للقوات المسلحة الأميركية باستخدام قواعد المنطقة العسكرية. وحذّر رئيس غرفة التجارة الأميركية- العربية ديفيد هامون من اختيار السعودية شركاء من أوروبا وآسيا بدلاً من الولايات المتحدة. وحذّر الباحث ستيفن كينزر من أن ثمانية عقود من العلاقات السعودية- الأميركية بصدد الدخول في عهد جديد، وتحدث عبد الخالق عبد الله عن “مجلس تعاون خليجي يتصرف بحزم وباستقلالية عن الولايات المتحدة في مناطق مثل اليمن والبحرين ومصر.

السعودية نفسها جاءت ردودها ضعيفة لا تعبر عن حجم الرعب والغضب الذي تملك ساستها وشعبها من “صديقهم” الذي كان يمتص دماءهم – دع عنك شرفهم، طوال ما لا يقل عن نصف قرن من تلك الصداقة، لتحويلها إلى أسلحة لا تستعمل إلا للأغراض الأمريكية والإسرائيلية وهاهم اليوم يجهزون على ما تبقى من هذا “الصديق”، فلا يتركون البلد إلا جثة هامدة. وزير العدل السعودي الدكتور وليد الصمعاني، وصف القانون بأنه انتهاك واضح وصريح لمبادئ القانون الدولي، وانسلاخ عن جميع الأعراف الدولية. ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة فيما يتعلق بمبدأ المساواة في السيادة بين الدول. وقال إن القانون افترض أن القضاء الأميركي هو مركز التحاكم في العالم، وأن تمثل أمامه الدول وكأنها أفراد، “وهو الأمر الذي لم يرد مطلقا في تاريخ العلاقات الدولية، بما يجعله سابقة خطيرة، وإخلالاً جسيماً بالقواعد القانونية والمبادئ الأساسية الدولية”.
وكتب السعودي باسم عبد الله مد الله على تويتر ان “القانون كان آخر فرصة للولايات المتحدة لاستنزاف تام لموارد هذه الأمة الطيبة” وكتب محلل اماراتي: “القانون حملة ضد السعودية. يجب ان لا تكون أميركا مرحب بها بيننا كما كانت دائما”
وقال وزير خارجية البحرين عن القانون انه “سهم أطلقه الكونغرس على بلاده” ليكمل: “أليس هناك عقلاء بينكم”؟(7)

لا يستطيع المرء ان يتمالك نفسه من الابتسام بسعادة لهذه الضربة التي تلقتها هذه الهراوة الأمريكية التي وضعت كل أموالها في خدمة الشر الأمريكي طوال حياتها وتضعه اليوم صراحة في خدمة الشر الإسرائيلي ايضاً. لكن هذه السعادة لا يجب ان تطول، فتلك الأموال ستستخدم مستقبلا بشكل أكبر كفاءة لذات الشرور.
وأخطر من ذلك هو السؤال: ماذا يعني قرار الكونغرس بالنسبة للعالم؟ إنه يعني ببساطة أنه يمكن لحكومة الولايات المتحدة أن توجه إصبع الاتهام بأية جريمة إلى اية دولة مناسبة تشعر انها تمتلك المال ولا تمتلك القوة للدفاع عنه! كل ما تحتاج إليه هو ان تجمع بضعة مواطنين يبيعون شرفهم من مواطني تلك الدولة لترتكب بهم جريمة داخل الولايات المتحدة، والباقي ليس سوى تفاصيل! وحقيقة الأمر أنها لا تحتاج حتى إلى هؤلاء. فلم يثبت أن المواطنين السعوديين كانوا بالفعل على الطائرات التي قامت بهجوم 11 سبتمبر، سوى جواز سفر أحدهم، أرادت له “قدرة قادر” ان لا يحترق في ذلك الجحيم! وحتى لو كانوا على متن الطائرة فلا احد يثبت انهم من قام فعلا بالهجوم أو انهم يعلمون عنه شيئاً، فكل المؤشرات تشير إلى ان الطائرات تم توجيهها ذاتياً لتقوم بالمناورات المستحيلة.
باختصار، ان اميركا لم تحتج يوما إلى دليل يبرر لها ما تريد، وهي تشعر اليوم بقدرة لا نهائية على ابتزاز دول العالم إلى آخر قطرة دم او نفط فيها. والجديد في الأمر أن “صداقة” هذا الوحش، لم تعد تؤمن صاحبها، وان الحماية الوحيدة هي قدرة الدولة على الدفاع عن نفسها بإنزال بعض الأذى به. والبدء بالسعودية يعني أن “الصداقة” والذيلية والتبعية التامة، لم تعد حتى تؤخر افتراسه لـ “أصدقائه”، بل أن هناك إغراءاً بالبدء بـ “الأصدقاء”. فهؤلاء، بما اتاحوا لها ان تدخل في بلادهم وتتغلغل في مؤسساتها وتسيطر عليها وعلى قياداتها بمختلف المستويات وعلى مختلف المحاور الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، هم الضحايا الأسهل، لأنها قادرة على استخدام تلك القيادات لشل الدولة عن الإتيان بأي رد فعل تدافع به عن نفسها. بل ان ذلك الاختراق يمكنها من خلق الأدلة المقنعة على التهمة الموجهة إلى ذلك “الصديق”.

لذلك كله فالإجابة الصحيحة عن السؤال الذي بدأنا به المقالة: إن كان يجب ان نفرح أم نحزن على ما يحدث، هي: “يجب أن نقلق”! نعم العالم مقبل على مرحلة جديدة، وخطيرة بشكل لا سابق له، تكون المخالب فيها أثمن ممتلكات الشعوب، وامتلاك بعض منها، مشفوعاً باستقلال القرار، هو الشرط الأول والأخير للبقاء على قيد الحياة.

______________

صائب خليل
30 أيلول 2016

_________________________________________

(1) Congress Rejects Obama Veto: Information Clearing House – ICH
http://www.informationclearinghouse.info/article45563.htm
(2) After 9/11: the Saudis Who Slipped Away –
http://articles.latimes.com/2004/apr/11/opinion/oe-unger11
(3) Rumsfeld let Bin Laden escape in 2001, says Senate -The Guardian
https://www.theguardian.com/world/2009/nov/29/osama-bin-laden-senate-report
(4) Bush rejects Taliban offer to hand Bin Laden over-The Guardian
https://www.theguardian.com/world/2001/oct/14/afghanistan.terrorism5
(5) How Bush Was Offered Bin Laden and Blew It

How Bush Was Offered Bin Laden and Blew It


(6) تقرير لجنة 11 سبتمبر تبرئ السعودية

(7) Bahrain says Congress vote on Saudi 9/11 bill will harm US – Khaleej Times
http://www.khaleejtimes.com/region/mena/bahrain-says-congress-vote-on-saudi-911-bill-will-harm-us

نبذة عن -

التعليقات مغلقة.